الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
190
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في قوله تعالى : لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [ الأنعام : 159 ] . والمعنى : وآخرين يتصلون بهم ويصيرون في جملتهم ، ويكون قوله : مِنْهُمْ موضع الحال ، وهذا الوجه يناسب قوله تعالى : لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ لأن اللحوق هو معنى الاتصال . وموضع جملة لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ موضع الحال ، وينشأ عن هذا المعنى إيماء إلى أن الأمم التي تدخل في الإسلام بعد المسلمين الأولين يصيرون مثلهم ، وينشأ منه أيضا رمز إلى أنهم يتعربون لفهم الدين والنطق بالقرآن فكم من معان جليلة حوتها هذه الآية سكت عنها أهل التفسير . وهذه بشارة غيبية بأن دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ستبلغ أمما ليسوا من العرب وهم فارس ، والأرمن ، والأكراد ، والبربر ، والسودان ، والروم ، والترك ، والتتار ، والمغول ، والصين ، والهنود ، وغيرهم وهذا من معجزات القرآن من صنف الإخبار بالمغيبات . وفي الآية دلالة على عموم رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلّم لجميع الأمم . والنفي ب ( لمّا ) يقتضي أن المنفي بها مستمر الانتفاء إلى زمن التكلم فيشعر بأنه مترقّب الثبوت كقوله تعالى : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] ، أي وسيدخل كما في « الكشاف » ، والمعنى : أن آخرين هم في وقت نزول هذه الآية لم يدخلوا في الإسلام ولم يلتحقوا بمن أسلم من العرب وسيدخلون في أزمان أخرى . واعلم أن قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم « لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء » إيماء إلى مثال مما يشمله قوله تعالى : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لأنه لم يصرح في جواب سؤال السائل بلفظ يقتضي انحصار المراد ب آخَرِينَ في قوم سلمان . وعن عكرمة : هم التابعون . وعن مجاهد : هم الناس كلهم الذين بعث إليهم محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وقال ابن عمر : هم أهل اليمن . وقوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تذييل للتعجيب من هذا التقدير الإلهي لانتشار هذا الدين في جميع الأمم . فإن الْعَزِيزُ لا يغلب قدرته شيء . و الْحَكِيمُ تأتي أفعاله عن قدر محكم . [ 4 ] [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 4 ] ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) الإشارة إلى جميع المذكور من إرسال محمد صلى اللّه عليه وسلّم بالآيات والتزكية وتعليم الكتاب